عبد الله بن أحمد النسفي
74
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
النكرة مقدمة عليه ، أو انتصبا مفعولين على أنّ ضرب بمعنى جعل ، واشتقاقها من البعض وهو القطع كالبضع والعضب ، يقال بعّضه البعوض ومنه بعض الشيء ، لأنّه قطعة منه ، والبعوض في أصله صفة على فعول كالقطوع فغلبت فَما فَوْقَها فما تجاوزها ، وزاد عليها في المعنى الذي ضربت فيه مثلا وهو القلّة والحقارة ، أو فما زاد عليها في الحجم كأنّه أراد بذلك ردّ ما استنكروه من ضرب المثل بالذباب والعنكبوت لأنّهما أكبر من البعوضة ، ولا يقال كيف يضرب المثل بما دون البعوضة وهي النهاية في الصّغر لأنّ جناح البعوضة أقلّ منها وأصغر بدرجات ، وقد ضربه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مثلا للدنيا « 1 » فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ الضمير للمثل ، أو لأن يضرب ، والحقّ الثابت الذي لا يسوّغ إنكاره ، يقال حقّ الأمر إذا ثبت ووجب مِنْ رَبِّهِمْ في موضع النصب على الحال ، والعامل معنى الحق ، وذو الحال الضمير المستتر فيه وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا ويوقف عليه ، إذ لو وصل لصار ما بعده صفة له ، وليس كذلك ، وفي قولهم ما ذا أراد اللّه بهذا مثلا استحقار ، كما قالت عائشة « 2 » رضي اللّه عنها في عبد اللّه بن عمرو « 3 » : يا عجبا لابن عمرو هذا ، محقرة له « 4 » . ومثلا نصب على التمييز أو على الحال ، كقوله : هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً * « 5 » وأمّا حرف فيه معنى الشرط ولذا يجاب بالفاء ، وفائدته في الكلام أن يعطيه فضل توكيد ، تقول زيد ذاهب فإذا قصدت توكيده وأنّه لا محالة ذاهب قلت : أمّا زيد فذاهب ، ولذا قال سيبويه في تفسيره مهما يكن من شيء فزيد ذاهب ، وهذا التفسير يفيد كونه توكيدا « 6 » وأنّه في معنى الشرط ، وفي إيراد الجملتين مصدّرتين به وإن لم يقل فالذين آمنوا يعلمون والذين كفروا يقولون ، إحماد عظيم لأمر المؤمنين ، واعتداد بليغ بعلمهم أنّه الحق ، ونعي على الكافرين إغفالهم حظهم ورميهم بالكلمة الحمقاء وما ذا فيه وجهان : أن يكون ذا اسما موصولا بمعنى
--> ( 1 ) كأنه يشير إلى حديث سهل بن سعد ، مرفوعا : ( لو كانت الدنيا تعدل عند اللّه جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء ) أخرجه الترمذي . ( 2 ) عائشة : أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي اللّه عنهما ، وزوج النبي صلى اللّه عليه وسلم أفقه نساء المسلمين وأعلمهن بالدين والأدب ولدت عام 9 ق . ه وتوفيت عام 58 ه ( الأعلام 3 / 240 ) . ( 3 ) عبد اللّه بن عمرو بن العاص رضي اللّه عنهما ، صحابي أسلم قبل أبيه ، وكان كثير العبادة ، امتنع عن بيعة يزيد ، ولد عام 7 ق . ه ومات عام 65 ه ( الأعلام 4 / 111 ) . ( 4 ) أخرجه مسلم في كتاب الحيض من رواية عبيد بن عمير . ( 5 ) الأعراف ، 7 / 73 . هود ، 11 / 64 . ( 6 ) في ( ز ) تأكيدا .